بث تجريبي
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

تحقيقات وتقارير

حزب الله يعلن حالة الطوارئ في لبنان ويستعد لمواجهة تنظيم"داعش"

مصباح العلي

أحداث غزة، كما التطورات في العراق وخطر داعش المسيطر على المنطقة بأكملها، دفع غرفة عمليات حزب الله للاستنفار بالحدود القصوى خصوصاً وأن أساس معركة حزب الله هي مع اسرائيل وكل المعارك الأخرى تجري عادة بالواسطة من كلا الطرفين.

 

بقايا الرومنسية الريفية في عكار

 

السبت في 14 حزيران 2014

مصباح العلي

في عكار أناس لهم حياتهم الممهورة بطابع خاص ، ترسم لهم ملامح شخصيتهم فتجعلهم أقرب للرومنسية وأبعد عن الواقعية. ذلك أن ذاكرتهم في قراهم مأخوذة من فضاءات واسعة تجعل خيالهم يسرح نحو البعيد. هؤلاء تعودوا رؤية إشراقة الشمس بطريقة مختلفة، كما السهر ومراقبة القمر والنجوم ليلاً على أنغام مياه دافقة في سواقي يعود بناؤها لنحو 2000 سنة على الأقل، بناها أجدادهم شبكات للري من الأنهر المختلفة.

هؤلاء لهم شقاؤهم اليومي والمعتاد، ولكن ثمة نسمة جميلة في حياتهم، إنها متعة العيش بنمط هادىء جميل ساحر تجعل من شخصياتهم شاعرية، يأخذون صفات وميزات من أرضهم وقراهم ويزرعونها في شخصيتهم كالكرم والعطاء والنخوة وغيرها.

عكار ليست منطقة محرومة ومهملة، بقدر ما هي منسية بالكامل، طالما أن جبل لبنان إختزل صورة الريف اللبناني في حين أن هناك مناطق أخرى لا تقل غنى بالتراث الشعبي المتوارث.

وسط القرى المتناثرة عند أبعد جبل لبناني شمالاً، يعيش أناس يرفضون ترك منازلهم شتاءً حتى لو لفرص العمل والتعلم، متمسكون بنمط معيشي خاص تفتقده المدينة. يبدو هؤلاء خارج السياق اللبناني المعاش القائم على فكرة النزوح صوب العاصمة أو المدن الكبرى. يشدهم الحنين الدائم لمعشر الفلاحين من أجدادهم وقصصهم وعفويتهم: "كما عاشوا ينبغي أن نعيش وإن كانوا لم يخبروا الفايسبوك والواتس آب". عبارة يرددها أكثر من شخص من عكار بشكل دائم.

تنهمك راجية بتحضير الغداء ظهر يوم الأحد في المطبخ، كونها تعمل طيلة الأسبوع موظفة في وزارة الشؤون الإجتماعية. هذا لا يمنعها من متابعة أمور جورج ونعمة، ولديها التوأم بالصوت، فجورج يلهو في ساحة النبع حيث تسترق راجية النظر إليه من شباك مطبخها فيما نعمة في غرفة الجلوس مستغرقاً بشبكة الإنترنت كونه يعاني من إعاقة جسدية منذ الولادة جعلته قليل الحركة.

تعاونها حماتها "أم أيوب" رغم كهولتها قدر المستطاع، في وقت يتابع زوجها "الأب أيوب نعمة" إتصالاته الهاتفية وأمور الزوار. هو لم يتجاوز ال40عاماً تبدو الإبتسامة الدائمة على ملامحه والبعيدة عن قسوة تصرفات رجال الدين عادة. وفي صدر المنزل صورة "أبو أيوب" الراحل وصولجان شيخ شباب الضيعة فقد كان شهماً لدرجة أنه كان يزرع للآخرين حقولهم وأشجارهم قبل أن يبدأ العمل بأرضه.

مجموع أفراد هذه العائلة لم يتركوا قريتهم بزبينا الواقعة عند أسفل محمية جبل القموعة الشهيرة. الوالد والوالدة يغادران صوب أعمالهم في حلبا عاصمة القضاء صباحاً ويعودان ظهراً. باب المنزل طبعاً مفتوح دائماً والأطرف أنه لا يوجد مفتاح لهذا الباب فمنذ أيام الراحل أبو أيوب لم يغلق أبداً.

"أين سأذهب يا خالتي؟ أعطني مكاناً أجمل من الجنة التي أحيا فيها وأجمل من هذا القصر". هكذا تتساءل أم أيوب بلهجتها العكارية العصية على الفهم عند الغرباء لصعوبتها وبالطبع هي تتكلم عن منزلها المتواضع وهو عبارة عن غرفتين ودار ومطبخ وحديقة ومن ثم بستان ولكن بنظرها هذه حدود الدنيا.

راجية تتذمر من دخول شبكات التواصل الإجتماعي على تفاصيل حياتها اليومية: "فكرة العيش الدائم هنا تجعل هذا الإختراع بمثابة شيطان داخل المنزل حيث تجد الجميع متسمرون على شاشات هواتفهم لا يدري أحدهم بالأخر".

يطلق نعمة، الإبن المعوّق، الصيحات لوالده: "فاضت ساقية الري". ولكنه لا ينسى نقده اللاذع والطريف "أرجو أن تكفوا عن الصلاة ومحاسبة البشر، والإهتمام بالأرض يا رجال الدين". قبل أن يتابع حديثه بسياق لا يقل طرافة عن حياته في بزبينا: "هل تجدني قادراً على الحركة حتى أترك ضيعتي؟". طبعا الإعاقة ليست هي سبب تشبث نعمة بحياة ريفية ربما لا تتناسب مع مراهقته وميله نحو إكتشاف عوالم إجتماعية أخرى خارج منظومة العائلة، فيقول: "تعودت على تفاصيل لا اريد أن أخسرها فلكل لحظة من حياتي هنا ميزة مختلفة. هنا أشعر بالنهار والليل بالصباح والمساء، وأختبر حواسي جيداً من النظر صوب السماء أو سماع صوت المياه الدافقة، بالشمس الساطعة صيفاً والثلوج التي تغطي كل شيء شتاءً، هنا كل شيء جميل بالتفاصيل الصغيرة".

جورج، الولد الأخر للأب أيوب نعمة، يرفض العودة إلى المنزل مزهواً برفاقه بالساحة، لا يكف عن اللعب والصراخ. هو أشبه بقائد مجموعة يعطي الأوامر والتعليمات ويتابع شؤوناً تبدو غريبة مثل إيصال غرض لأم إبراهيم من الدكان إلى منزلها كونها منشغلة، أو دفش سيارة "أبو علي" بعدما تعطلت فجأة، وبينها لا يكف عن التعليقات الساخرة: "هنا بيتي وأنا أشعر أنه كبير جداً. فهنا لا اشعر بأني أعيش داخل شقة هي أقرب للسجن كما تعيشون، هنا حريتي الكاملة فأنا لا استقر بمكان من الساحة إلى البساتين".

يتابع بحسه الساخر:"مرة أخذنا والدي إلى البحر وافترض أني سأكون سعيداً هناك، فلم أحصد غير الأوساخ والرمل ومن ثم الأوجاع ليلاً، بينما السباحة بالنهر عندنا أجمل وأمتع. وعلى الأقل تستطيع التحدث مع كل بنات الضيعة دون مشاكل وبالمناسبة البنات هنا أجمل بكثير من عندكم في المدينة".

ليس بعيداً عن منزل أيوب نعمة ينشغل د. نقولا عيسى،الأستاذ المتقاعد من معهد الفنون الجميلة، بالإنتقال إلى القنوات الفضائية. زوجته إيزابيل حضّرت القهوة بعد قيلولة الغداء، فجأة تطل أسمهان بالأبيض والأسود، "إيزابيل ليس وقت القهوة الآن ثمة إنفجار نووي بالشاشة إنها المطربة اسمهان دعينا نستمع". طبعا ايزابيل لا ترد على صراخه طالما ان الأمر لها في المنزل وتضحك قائلة: "هو يصرخ وأنا افعل ما اريد". الشخصية القوية عند إيزابيل مأخوذة من عملها معلمة في المدرسة الثانوية التي لا تبعد عن منزلها سوى مئتي متر لا أكثر. "أحياناً أستغرب حين أركب سيارة فلطالما أنا مستقرة في القرية ولا أرغب في مغادرتها ابداً".

تتحدث إيزابيل عن أولادها: "سامر مع عائلته في البرازيل، جنى تزوجت واستقرّت في بيروت وهي تريد ترميم منزل جدّها وفرضت على زوجها الإستقرار في قريتها صيفاً، ولم يبق بالمنزل سوى وائل الموظف في الأمن العام اللبناني. لذلك اشعر ببعض الوحدة أحياناً ولكن هنا أنا قادرة على أن أشكو همومي فور دعوتي النساء إلى فنجان قهوة".

ينتهي نقولا من سماع أغنية أسمهان ويقترب على وقع خطوات راقصة ليبدأ الحديث بعد أن تتبدل ملامح وجهه نحو الجدية: "لم أشتر منزلاً كما لم استأجر واحداً بحياتي كلها. عندما كنت أذهب إلى الكلية في الصباح أشعر بالغربة كوني سأغيب ساعات عن القرية، حتى أنني لم أسافر إلى الخارج سوى مرة واحدة، ولمدة أسبوعين، ولا أستطيع وصف مقدار الألم في قلبي طيلة غيابي عنها".

يتحدث نقولا عن قريته وكأنها معشوقته أو حبيبته، فهو أستاذ مادة الرسم ولكنه مسرحيّ أيضاً اسس مسرح الريف في عكار منذ العام 1974 ، وهو حتى اليوم يدأب على عرض مسرحية كل سنة. ويجيب عن أسباب هذه الشاعرية "نحن نعاني هنا من شظف العيش وقلة الإمكانيات، ولكن بنفس الوقت هناك الرومنسية البالغة. هنا لا نشعر بالحب بقدر ما نخبره يومياً نحن نمارسه في تفاصيل عيشنا الصعب وإلا ما كنا قادرين على الإستمرار بهذا النمط".

يهجم الأصدقاء والجيران على منزل نقولا عيسى لتناول القهوة وهنا قسم يتحضر للنزول الى بيروت بعد عطلة نهاية الأسبوع، فيقترح أن تنتقل الجلسة نحو البستان لأن المنزل لا يتسع وهناك المزيد. تحت أشجار الكرز والإجاص يتابع نقولا عيسى حديثه متقطعاً مع تعليقات اصدقاءه وتصفيقهم له تشجيعاً: "أحياناً أطلق العنان لقدماي كي أذهب حيث أشاء، الى نبع السكر في أعلى الجبل أم لسهل القموعة أم للبساتين في كل أرجاء بزبينا ولا فرق عندي طالما أني أملك حريتي وصاحب قراري. ومن علامات جنوني ربما أن أترك منزلي ليلاً وأسهر على ضوء القمر والنجوم وثم النوم تحت شجرة ما عند التعب.. هناك أستعيد ما عندي من حنين وحب وإنكسارات.. هناك اشعر بالسعادة والحزن بآن ولكن على طريقتي".

لسعد موسى، فضلاً عن الطباع الخاصة من الهدوء المفرط إلى تشغيل الصوبيا في حزيران والركون بالمنزل وكأنه وسط الشتاء، هناك موهبته وولعه بالصور. سعد موسى فنان تشكيلي أقام سلسلة معارض في لبنان وفرنسا ومارس التعليم لسنوات طويلة، اما اليوم فهو مزارع وحافظ لذاكرة قريته. الجيمع يطلب رضاه ومكانته كما أن أرشيفه يحوي كل أشخاص بزبينا تقريباً.

يرفض مغادرة المنزل، رغم الحرارة المرتفعة: "اريد الإستمتاع بالصوبيا والنار المشتعلة.. تعطيني شعوراً بالحميمية أحتاجها بهذه الفترة". يبادر بالحديث قبل أن يشرح بأنه يلمس هوايته من جمال لا يراه بالعالم أسره، شجيرات وسواقي وأناس طيبون داب على تصويرهم لسنوات طويلة وبنفس الوقت هو لا يبخل على أحد باي صورة.

"اشعر بالفخر عندما انظر الى ملامح أحدهم وأنا أعطيه صورة أحد أجداده أو أقربائه، هذا يعطيني نوعاً من السلام الداخلي. لا أملك المال وعادة أتقشف بمصروفي ولكني لا أقبل بدلاً عن موهبتي لأنني عندما أفعل افقد المتعة".

يتجول سعد موسى في أرجاء كومبيوتره بحثاً عن صور مناسبة وسط الحرارة المرتفعة، مستعرضاً عند كل نقطة ظروف وحكاية إلتقاطها الأمر الذي جعل الحصول على نحو عشرين صورة يستغرق أكثر من ساعتين وسط تعليقه الطريف: "من يريد هدفاً في حياته عليه التضحية، ومن يرغب بالحصول على صوري عليه إحتمال حرارة منزلي المرتفعة".

فلاديميروفيتش بوتين

 

 فلاديمير فلاديميروفيتش بوتين

بين الاحتفال الاسطوري بأولمبياد الألعاب الشتوية في سوشي والحرب المستجدة في أوكرانيا، يقف فلاديمير بوتين ليضع بصماته على روسيا. رجل أضفى صفاته على الأمة؛ يريد روسيا على صورته ممتطياً صهوة جواده عاري الصدر أو مقاتلاً رياضياً في لعبة ... يغوص في أعماق البحار كما قائداً طائرة بدائية لإرشاد طيور البجع إلى أعشاشها.

فلاديميروفيتش بوتين يصوغ شكلاً جديداً لورسيا، يفرض احترامها بالقوة، ويبعث الإتحاد السوفياتي من جديد وفق أُسس مغايرة عبر محاولة تأسيس إتحاد أوراسيا الذي يضم معظم جمهوريات الإتحاد السابق فكانت حرب أوكرانيا الراهنة. بالعقوبات وبالتهديد يوقف تزويد أوروبا بالطاقة، وتحديداً الغاز الطبيعي، عبر أوكرانيا. تخيلوا رجلاً يهدد قارة بأكملها بالصقيع وإن فعل سيقتلها.

راهناً يقارع الولايات المتحدة الأميركية، يستسيغ محاربتها ليحجز دور روسيا العالمي باقتسام النفوذ. ولكن لمن لا يعرف فإن بوتين استطاع تحقيق أمنية روسية قديمة، تعود لمئات السنين عند القياصرة، وهي الوصول للمياه الدافئة وتثبيت اقدامهم بالشرق الأوسط، وهذا ما حصل فعلاً مع أزمة سوريا. رجل بلا منافس شعبيته في روسيا تصل لمعدلات خيالية وعداوته في محيطه الجغرافي في جورجيا أو في أوكرانيا ليس لها مثيل فكأنه المتطرف أبداً.

تتصرف روسيا الآن وكأنها تدافع عن نفسها وعن مصالحها باستعادة القرم. هي تدافع عن مواطنون روس وترى بأن الولايات المتحدة الأميركية تعرقل الدور المتعاظم لورسيا وهذا بنظر بوتين مستحيل، فالمتابع لتصريحاته منذ بداية الأزمة الأوكرانية يجد عبارات بارزة "لاعودة للحرب الباردة وهذا مستحيل لأن روسيا قوية بالإقتصاد وبالطاقة وبالقوة العسكرية والديبلوماسية المتعاظمة".

يريد بوتين أن يبني اسطورة روسية في العالم تتطابق مع تاريخها خصوصا وأن الروس يخلّدون سياسييهم بصفة الأبطال. فمن هو هذا الرجل؟ وما هي صفاته الشخصية؟

ولد فلاديمير بوتين في 7 تشرين الأول عام 1952 في مدينة سانت بطرسبورغ، عائلته متواضعة الحال ومن الطبيعي أنه ترعرع على الطريقة السوفياتية، حيث يؤشر تاريخ ميلاده للحقبة الذهبية الشيوعية قبل الاتحاد الكبير وصولاً للإنهيار الشامل عام 1990. والده عمل في مصانع المدينة حين كان راتب العامل في مصنع يفوق ضعفي راتب أستاذ الجامعة مثلاً نظراً لتمجيد العامل ودوره أيام الإتحاد السوفياتي ورغم ذلك طفولته لم تكن سهلة بالمطلق.

أدرك الطفل فلاديمير بأنه عليه الإتكال على نفسه ليشق طريقه بالحياة على طريقته، فليس من قبيل الصدفة أن يبدأ في مراهقته بمزاولة رياضة المصارعة من نوع "سامبو" الروسي الأصيل القائمة على الدفاع عن النفس عبر تكبيل الخصم دون لكمات. هذه الرياضة صبغت شخصية بوتين مراهقاً وشاباً وحتى رجل إستخبارات ومن ثم سياسي بارز قبل أن يصبح القيصر الروسي الجديد دون منازع... باختصار هو المصارع دون أسلحة أو لكمات.

هواية الرياضة ودراسة الحقوق في جامعة لينينغراد كوّنت الشخصية الفعلية لبوتين وقد حقق تفوقاً أدهش أساتذته ولعل عنوان الديبلوم كان يوحي بطموحاته "مبدأ الدولة الأكثر رعاية في القانون الدولي". وبالتالي كان من البديهي أن يلتحق في العام 1975  بجهاز الأمن الشهير KGB ولكنه سارع الى الانخراط في الدائرة الاولى أي وحدة الاستخبارات الخارجية في فرعها في مدينة لينينغراد التي كانت تعجّ بالأجانب حيث تولى مهام متعددة.

في العام 1985 انتقل الى جمهورية المانيا الديموقراطية DDR ، درة تاج المنظومة الإشتراكية، كونها التوأم للنموذج الغربي (المانيا الغربية) حيث كان رجال ال  KGB يطمحون لمقارعة أجهزة أمن الغرب انطلاقاً من DDR وعلى أرضهم.

أمضى هناك في مدينة لينينغراد بحدود ال 5 سنوات تحت ستار مدير في دار الصداقة السوفياتية – الألمانية.

في هذه الفترة كوّن بوتين صداقات من مختلف أنحاء العالم (أفريقيا – الشرق الأوسط والشرق الأدنى وأميركا اللاتينية) وكانت ألمانيا الشرقية في حينها قبلة الشيوعيين الهاربين من أوطانهم الأصلية وقد تعامل مع هذه العلاقات بحميمية ملفتة في ما بعد فظل الحنين لديه لتلك الحقبة رغم قساوتها حيث شهدت انهيار سور برلين.

تنقل بوتين بين ميدان (ألكسندر بلاتش) (Alexander Place) وجادة (كارل ماركس) في برلين بصفته مدير محطة الKGB محاولة إستشراف المرحلة المفصلية ما بعد الإنهيار الشامل. كان يداب على فتح نقاشات مع شخصيات مختلفة في العالم وميزته بالنقاش هي قدرته على الإستماع وتكوين الإنطباعات دون الإفصاح عن موقفه النهائي على غرار عادات رجال KGB في تلك الحقبة ويمكن القول بأن فترة عمله في ألمانيا الديموقراطية كانت الوثبة الأولى نحو صعوده الصاروخي.

في بداية شتاء 1995 حزم بوتين هزيمة المعسكر الإشتراكي وخيبات الإتحاد السوفياتي مع حقائبه عائداً إلى وطنه كضابط إحتياط برتبة مقدم. بمعنى أنه نفض يديه من الجهاز وشغل مساعد رئيس جامعة ليننغراد للشؤون الدولية. هناك اختاره أناتولي سوبنشاك (المشرف على ديبلوم بوتين بالحقوق) الذي اضحى رئيساً لمجلس نواب الشعب في مدينة ليننغراد للعمل كمستشار للشؤون الدولية ثم أصبح بوتين رئيساً للجنة المدنية للعلاقات الخارجية وهو شهد تغيير إسم مدينته إلى سانت بطرسبورغ تماشياً مع المتغيرات العميقة في الإتحاد السوفياتي بعدما انتُخب أستاذه سوبنشاك محافظاً للمدينة.

بعد العام 1994 ثمة محطات كثيرة في حياة الرجل تتلخص بصعود صاروخي نحو السلطة رقي إلى منصب النائب الأول لرئيس حكومة سانت بطرسبورغ ليحصل على صلاحيات واسعة شملت الجمعيات الإجتماعية، والشرطة، وغيرها من الأجهزة النافذة، وكان في الوقت نفسه يشف على المشاريع الإستثمارية الكبرى في المدينة.

وفي خريف عام 1995، بعد انطلاق عملية إنشاء البنى التنظيمية لحركة "بيتنا روسيا" بزعامة فيكتور تشير نوميردين، رئيس الحكومة الروسية آنذاك، وجاءت توجيهات من المركز بشأن تعيين المحافظين أو نوابهم على راس المنظمات الإقليمية للحركة التي عدّت حينذاك حزباً للسلطة، قرر سوبتشاك إيفاد بوتين لرئاسة مجلس فرع مدينة سانت بطرسبورغ لحركة "بيتنا روسيا"، وتنظيم حملتها الإنتخابية في العاصمة الشمالية في إطار إنتخابات مجلس الدوما في كانون الأول 1995. وهكذا بقي بوتين مع سوبتشاك طوال مدة ولايته حتى هزيمة الأخير في إنتخابات محافظ المدينة عام 1996.

وفي العام ذاته دافع بوتين عن أطروحته في موضوع "التخطيط الاستراتيجي" لإعادة قاعدة المواد الخام والمعادن إلى المنطقة الإقتصادية في ظروف تكوين علاقات السوق، لنيل درجة دكتوراه دولة في العلوم السياسية. وقد علق رئيس معهد التعدين في سانت بطرسبورغ، فلاديمير ليتفينيكو، الذي جرت عملية الدفاع تحت إشرافه بالقول: "بوتين يستحق درجة الدكتوراه، فهو رجل إقتصاد ناضج ومحترف".

فتحول بوتين إلى إحدى الشخصيات المهمّة والمتنفذة في الحياة السياسية والإقتصادية لهذه المدينة الكبرى، التي يقطنها حوالي 4 ملايين شخص.

موسكو او مدينة الاحلام للسياسيين الروس على طريق القبض على السلطة وصلها بوتين في العام 1997 فتم استدعاءه الى موسكو وعيّن في منصب نائب مدير شؤون الدولة للعلاقات الإقتصادية الخارجية. وسرعان ما اكتسب شهرة في الكرملين، مما اسفر عن انتقاله في ىذار 1997 إلى العمل في ديوان رئيس الدولة في منصب رئيس إدارة الرقابة لدى رئيس روسيا الإتحادية.. وفي ايار 1998 تم تعيينه في دائرة الأمن الفيدرالية في روسيا بموجب مرسوم خاص صدر عن رئيس الدولة آنذاك بوريس يلتسين، وحدث هذا التطور مع تأزّم الوضع في البلاد من جديد. في البداية أثار مجيء بوتين، وهو برتبة مقدم إحختياط، شعوراً بعدم الرضى في صفوف المخابرات الروسية، قبل أن يجري التأك من المستوى الرفيع الذي بلغه تأهيل بوتين المهني ومن كفاءته الإدارية. ويكفي القول إن بوتين تمكن خلال عام من توليه منصبه من تنظيم جهاز الدائرة المركزي، وقلص عدد العاملين فيه من 6000 الى 4000 عنصر، مع تعزيز فروع الدوائر الإقليمية في آن واحد.

ثم عين في آذار 1999 سكرتيراً لمجلس الأمن القومي الروسي، مع احتفاظه بمنصب دائرة الأمن الفدرالية. وشارك في تشكيل حكومة سيرغي ستيباشين الذي حل محل بريماكوف في ايار 1999، عندما فشل الأخير في إقناع مجلس الدوما بعدم تصعيد التوتر في البلاد، أو التخلي عن سعيه إلى غقصاء رئيس الدولة من منصبه عن طريق توجيه التهم غليه.

غير أن ستيباشين أساء تقدير حجم المخاطر في شمال القوقاز، وسوف يسهى عن خطورة الأوضاع في المنطقة، أو يتجاهلها، ولم يصغ جيداً إلى إنذارات أجهزة الأمن الروسية باحتمال قيام قيادة التشكيلات الشيشانية المسلحة بتنفيذ غارات مفاجئة، جميع هذه العوامل دفعت بالرئيس يلتسين إلى إقالة ستيباشين وتعيين بوتين رئيساً جديداً للحكومة الروسية في آب 1999. وأقر مجلس الدوما مرسوم الرئيس بهذا الخصوص في 16 آب، بل إن يلتسين أعلن أنه يعتبر يوتين خليفة له.

وبالتالي كان بديهياً تسلمه رئاسة روسيا في دورته الأولى عام 2000 ليُطبق على القرار الروسي منذ ذلك الحين حتى اليوم. لم يُقدم على تغيير دستوري في العام 2006 بل فضّل تسليم ديمتري مدفيديف سدّة الرئاسة ومن ثم العودة إلى السلطة من جديد ليرسم صورة روسيا القوية والفاعلة على الساحة الدولية، حيث أمسك مقاليد الحكم بطريقة صلبة. ومن صفاته كرئيس تسمكه بالنظام في كل شيء وقدرته على ضبط النفس والتصرف بشكل عقلاني حيث نادراً ما ابدى ردة فعل غاضبة. حازم بقراراته ولا يلجأ للمستشارين بل يتابع بدقة معاملاته. يتسم أسلوبه بالبساطة الشديدة وسرد الواقع كما هو ليكون قريباً من منطق المواطن العادي. أما في عمله الديبلوماسي، فغالباً ما يفضّل المناورات الديبلوماسية لتمرير وجهة نظره على الهجوم الجبهوي رغم الإنطباع السائد بكونه شخصية صلبة وفجة ولا تراعي الأعراف الديبلوماسية.

رغم كونه إبن المؤسسة الحزبية والأمنية السوفياتية، إلا أنه طوال مسيرته لم يستخدم الأيدولوجيا ولم يقدم وصفات سحرية أو يقوم بإجراءات راديكالية وإصلاحات جذرية، بل عمد إلى إعتماد سياسة النفس الطويل في سبيل نقل روسيا من ضفة الفقر والعوز والإتكال على المساعدات الخارجية إلى ضفة أخرى من الرخاء والإزدهار الإقتصادي والقوى السياسية والعسكرية التي يُحسب لها الف حساب على الساحة الدولية.

يُسجل له بالداخل إنجازات كبيرة جعلت منه رمزاً وطنياً حيث أحكم قبضته على الحكم بعدما تمكن في فترة حكمه الأولى من تسديد غالبية ديون روسيا الخارجية فيما ارتفع الإحتياطي المركزي إلى نحو 61 مليار دولار مما انعكس زيادة في الدخل الفعلي للمواطنين بنحو 41 بالمئة. هذا فضلاً عن تحوّل روسيا من بلد يستورد القمح إلى مصدّر له فضلاً عن زيادات مضطردة في التبادل التجاري والصناعي مع الخارج وهذا ما يتّكل عليه بوتين في مواجهته الفظة الآن مع أوروبا وأميركا.

بالخلاصة يمكن القول إن بوتين وقّع عقداً مع العمل وليس مع السلطة، فهو رجل قادر أن يترك السلطة لبديل عنه دون أن يتخلّى عن كونه رجل روسيا القوي وهو قد ردّد مراراً مقولته "لا يصح تغيير الدستور والقوانين تماشياً مع رغبات شخص واحد". وقد علّمته خبرته في الميدان الأمني أن كل رجل يدخل التاريخ عليه أن يختار أسلحته بعناية قبل أن يختار من بينها ما يناسبه فجوهر استراتيجيته هو جمع كل الجهود داخل السلطة لمعركته "بناء الداخل" وتحصينه كما التنافس مع الخارج عبر اعتماد أسلوب كسر التوازن وهو عرف كيف يستغله بشكل كامل.

ثمة من يقول في روسيا اليوم بأن أهمية بوتين لا تنجم فقط عن النتائج التي توصل إليها وإنما في الأحلام التي يجسدها. فصحيح هو بنظر أعدائه، لا خصومه، ديكتاتور بصفة رئيس، إلا أنه يقدّم نفسه على أنه بطل الحاضر كما نموذج لرجل المستقبل. وبالنهاية مما لا شك فيه بأن فلاديمير بوتين استطاع أن يحرّك النفوس ليس عند الروس فقط، بل في أقطار العالم سواء إعجاباً به أو كراهية له أو حنيناً "شيوعياً" عالمياً لا طائل منه في الظرف الراهن حيث روسيا اليوم بلد رأسمالي صاعد في طور التقدم.

 

 

 

 

الأبنية المتصدعة في طرابلس

 

الابنية القديمة في طرابلس  متصدعة ومهددة بالانهيار في المناطق الفقيرة  فعند هطول المطر يسود الهلع بين قاطنيها فيضعون ايديهم على قلوبهم خوفا من ان تنهار فوق رؤوس عائلاتهم.

المشكلة في طرابلس مزمنة ومتشابكة طاما انها مدينة تعاني من الاهمال الشديد وتحديدا الابنية المتهالكة في المناطق الشعبية التي تحولت لهياكل مرعبة حيث أنها ايلة للسقوط. هذا فضلا عن الفقر الشديد والتهميش الاجتماعي عند شريحة واسعة من الناس تدفعهم الى افتراش املاك عامة وفق ما تيسر لتصبح منازل مأهولة.

ربيع كزبورة مواطن فقير كان يقطن مع زوجته واولاده في منزل لا يعد سوى  خربة حقيقية بكل ما للكلمة من معنى  ضمن  قطعة ارض مهملة بجانب مجرى نهر ابو علي  تعود ملكيتها  لدائرة الاوقاف الاسلامية.

  هبط على المنزل  صخرة جراء المطر الشديد أثناء العاصفة الشديدة التي ضربت لبنان منذ نحو شهر. قضت على الغرفة المتواضعة خلال ثوان معدودة وكادت ان تسحل أجساد أفراد العائلة لولا العناية الالهية.

بعد الاطلاع ميدانيا يمكن وصف ما يسمي هذا البيت بأنه عبارة عن فسحة  بالبهو الخارجي للمنزل، أو ما تبقى منه، كلب ينبح لدى رؤية الغريب، وكأنه يدافع عن وظيفته التي بات مهدداً بخسرانها، بعد أن أضحى أصحاب الدار مهددين بالتشرد. المنزل كناية عن غرفتين: واحدة للنوم، والتي باتت حطاماً، وأخرى للجلوس، حيث يحتل أطفال "ربيع كزبورة" السبعة كنباتها ويتكدّسون على نحوٍ متلاصق، آخذين بأعناق بعضهم بعضاً كما لو كانوا مجموعة من الفراخ في أعشاشها، وكما يضمّ الخوف ضلوع بعضهم بعضاً علهم بذلك يشعرون بالدفء والأمان اللذين غابا عنهم منذ عدة أيام.
وعن المأساة التي أصابت هذه العائلة يتحدث ربيع قائلاً: "إن هذا المنزل هو جنى عمري كله، وقد كلفني بناؤه كل ما جمعته من مال على مدى أكثر من عشرة أعوام، والآن بات عليّ أن أتركه أنا وزوجتي وأطفالي. ان الطريق الذي فوق منزلي مصدّعة بالكامل، والصخرة التي هبطت أدت الى تحطيم أحد عامودي المنزل الأساسيين وأحدثت تصدعاً في كامل الغرفة، كما تركت فتحة في الحائط، وإن استمرت الأمطار بالهطول، فالمنزل سينهار لا محال".
وأضاف ربيع أنه: "في اليوم التالي لهبوط جزء من المنزل، جاءت الشرطة ونقلتنا الى فندق بالقرب من مقهى "التل العليا"، فرفضت لأنه مكتظ بالأغراب من الأجانب، زد أن الحمام وكذلك المطبخ مشتركان، معنى ذلك أنني لن أنام الليل وأنا أسهر على أولادي. فأنا لدي أبناء في سن البلوغ، فأخذونا الى مركز الشرطة حيث نمنا ليلة واحدة في المصلى على "الموكيت" دون وجود فرش أو أغطية. وتابع: "في اليوم التالي طلبني سكرتير رئيس البلدية من أجل أن أوقّع على موافقة بالإخلاء دون بديل أو تعويض، ورفع مسؤولية البلدية في حال بقائنا في منزلنا فرفضت، عندها طلبوا منا مغادرة مركز الشرطة وما عاد رئيس البلدية يجيب على إتصالنا به".
على مقربة من المنزل المدمَّر يقع منزل آسيا ناصر وعائلتها التي تتألف من زوج مريض وأربعة أطفال، وإن كان منزل جيرانها قد شيِّد من الباطون، فمنزل آسيا كناية عن تجمع لأكوام من الطين والخشب والتوتياء.
عند المدخل وُضِعت أكوامٌ من الأخشاب والحطب التي تستخدمها في الطهو وفي تدفئة منزلها، والى الجهة الأخرى تحويطة من الخفان هو فرنها المتواضع ومدفئة الشتاء القارس في آن، الى جانبه منصة عارية من الخشب وضعت عليها بعض الأواني. أما منزلها فهو كناية عن غرفتين لا نوافذ لهما مسقوفتين بالأخشاب العفنة والتوتياء التي لا تقي أهل البيت لا حر الصيف ولا أمطار الشتاء، وحين يصفر الهواء في الخارج تشعر لوهلة بأن السقف يكاد يسلخ من مكانه، فيما كل ما هو حولك من جدران وبقايا فرش بالٍ يرتعش، حتى لا تجد أمامك سوى الصلاة بأن تنتهي الدقائق التي خصصتها لزيارة بيت استضافك أهله أملاً بإيصال صرخات الآلآم التي يقاسونها.

ثلاثة بيوت مهدَّدة بالدمار
وتتحدث آسيا عن وضعها قائلة: "عندما كان زوجي يعمل باللافاجيت كنا نسكن منزلاً طبيعيا، ولكن اعتلاه المرض فبات يغيب عن عمله، فسرح من الوظيفة. الآن ما يجنيه يكاد لا يسد رمقنا. فكل شيء باهظ، وأنا أعاني من مرض في القلب وأحتاج لإجراء عملية في الصمام، لذلك لا يمكنني العمل، فجئنا الى هنا لأنه لا إمكانية لنا لدفع الإيجار".
تابعت: "المياه باتت تهطل علينا بسبب تصدع الطريق الفوقي، لأن البلدية تقوم بالحفر كلما أرادت تسليك المجارير، ولكن لا يعاد إغلاق الحفر جيداً، ومع الوقت باتت السيول تنجرف الى منزلي ومنزل جارتي التي تسكن أسفل بيتي حتى أصبح هناك ثلاثة بيوت مهددة بالإنهيار بين لحظة وأخرى".
أضافت: "نحن لا نريد مالاً من أحد.. نريد فقط من الجهات المعنية في البلدية وغيرها أن يقوموا بمساعدتنا في إصلاح منازلنا حتى لا يكون مصيرنا الموت أو التشرد".
في الواقع ان المعاناة التي يعيشها أهالي منطقة المولوية هي أنموذج يتكرر في غير منطقة ومنطقة وبدليل سقوط منزل آخر في القبة لم تأتِ وسائل الاعلام على ذكره.
ربما لم تعد بلدية طرابلس برئيسها وأعضائها بحاجة الى قناع يخفي تقصيرهم الفاضح بحق المدينة وأهلها، ولكن استغلال معاناة الناس في دعاية زائفة كان أمراً مثيراً للشفقة.
وبعد، في وقت تسعى شريحة واسعة من اللبنانيين على الصعيدين الرسمي والشعبي، الى الإهتمام بأحوال اللاجئين السوريين وغيرهم ندعوهم الى إلتفاتة بسيطة الى "اللاجئين" اللبنانيين... الى صحوة ضمير لإنعاش ومساعدة أهالي وأبناء باتوا مجهولي المسير والمصير.

السهر وحياة الليل في طرابلس

السهر وحياة الليل في طرابلس

على انغام أغنية جاك بريل الشهيرة “Ne me quitte pas” تستوي السيدة ليلى (اسم مستعار)، على الكنبة لتتذكر ايام السهر وحياة الليل في طرابلس.

الأستاذة الجامعية التي تتأقلم مع حياة الوحدة التي تمر بها، والمسكونة بشغف حبها لطرابلس وحياتها الماضية، تلجأ للذاكرة وتنبش ما فيها من صور جميلة وضحكات وأناس مروا على المدينة.

منهم من غاب ومنهم من هاجر أو بقي اسير ذكرياته الجميلة، ربما تغيرت المدينة وانحدرت لقاعٍ سحيق ولكنها بقيت طرابلس التي تحتفظ بسر ما فيه من الشجن لا يعلمه سوى أهلها.

"هذا الجيل لم يعش شغف الحياة كما عشناها نحن في طرابلس، أنتم مظلومون كثيراً"، تقول الأستاذة الجامعية ضاحكة، بينما يعبق صالون منزلها بشتى أنواع الرومنسية، شموع وموسيقى هادئة ونبيذ واسترجاع لذكريات الحياة القديمة في طرابلس، التي فيها من المغامرات والحب ما يكفي أن يترك إنطباعاً بأننا نعيش في مدينة أخرى.

"كنا نحب أغنية غلوريا التي اشتهرت كثيراً، وكنا نرددها نحن طالبات المدرسة العازارية أثناء الفرصة في الملعب، كان ينتابنا شعور متجذر بالإختلاف عن طالبات المدارس الرسمية اللواتي كنّ محافظات أما نحن فكنّا نعيش مراهقتنا كما ينبغي".

في ما بعد، وبعد تنامي ظاهرة الإختلاط بين الجنسين في طرابلس في مرحلة الستينيات والسبعينيات، وتحديداً عند تأسيس نادي الجامعيين، كانت الفسحة الأولى لنعيش حياة متحررة إنعكست حياة ليل صافية".

تصف الأستاذة الجامعية حياة الليل في تلك المرحلة بأنها كانت جزءاً من الحياة العامة الصاخبة والحيوية التي تميزت بها طرابلس. مشاريع عمرانية وإزدهار وتقدم، إنعكاسات رغداً إقتصادياً فعاش اهل المدينة على وقع الحداثة والتطور وازدهرت حياة الليل. بالبداية إفتتح cheval blanc في ساحة التل عام 1961 كمكان للسهر وكان بقرب مسرح الإنجا حيث اعتاد رواده السهر وختم ليلهم الطويل عند مطعم الدالاتي للحمص والفول بجانبه وهو الذي كان يفتح طيلة الليل والنهار. لحقه النغرسكو عام 1970 الذي افتتح مقهى رصيف على الطريقة الباريسية وقاعة تحت الأرض كانت فاخرة جداً مخصصة للسهر اشتهرت برقصات التانغو وكانت تقدم أفضل الصناف. ثم لحقها عدد لا بأس به من علب الليل التي اشتهرت في ما بعد La barrique ، كابوتشينو التي انقلبت تسميتها الى البنكي pinky ومن ثم التوب في شارع عزمي والكوندور وغيرها".

طبعاً هذا الإزدهار شكّل طبقة وسطى غنية فاعلة أدت إلى إنتاج المزيد من المقاهي وعلب الليل: الشاطىء الفضي والجزيرة في الميناء التي كانت complet بشكل دائم، كما بلاج حكيم على البحر الذي غنّت فيه صباح والفنان السوري صباح فخري الذي أطربنا حتى الصباح بسهرات لا تنسى، ثم قصر المنتزه في آخر شارع عزمي الذي كان مفخرة القطاع السياحي من حيث جمال هندسته واناقة تصميمه. وتروي السيدة ليلى رواية طريفة: "انتشر خبر بيننا كالنار في الهشيم، مريم فخر الدين ستزور طرابلس لتصور لقطة على درج قصر المنتزه، وهو درج من التحف النادرة من حيث الخشب الفاخر والمحفور بطريقة إبداعية، فذهبنا مثل مظاهرة إلى هناك، كانت نجمة رائعة الجمال ولكنها ممثلة فاشلة إذ استلزم تصوير لقطة نزولها عن هذا الدرج أكثر من إسبوع من التدريب ويومين من التصوير".

تختم السيدة حديثها مع آخر كأس من زجاجة النبيذ حديثها برواية بعضا من فنون الحب في تلك المرحلة: "كانت حياة عاصفة لنا بكل المقاييس، في إحدى المرات تقدم نحوي شاب وطلب أن يكلمني، كان الهاتف العادي تطوراً ثورياً في حياتنا، تمنّعت إلى أن قبلت دعوته على فيلم سينما فقط ولكنني اكتشفت بأنه حجز السينما بكاملها وبعرض كامل، تركت المكان ووليت هاربة كانت فكرة مجنونة وجميلة ولكنني لم أحتملها. في ما بعد طلبت منه أن نلتقي في النغرسكو مساء فقط فبقي طوال شهر يرتاد المقهى إلى أن التقينا ولكن لم يتم النصيب في ما بعد، لم نتزوج ولكن بقي في قلبي حنين لهذا الحب حتى اليوم، وإن كان العمر قد مضى بمعظمه".

لا يختلف إثنان أن الواقع الراهن في طرابلس قد انحدر ووصل إلى مستويات سحيقة للغاية، أزمات حياتية وتوتر أمني وإشتباكات مسلحة أوصلت طرابلس لوضع مأساوي. يبدو رواد سهر الليل وكأنهم يعاندون القدر ورغم ذلك تراهم يصرون على هوايتهم المحببة بالسهر في أرجداء مدينتهم للتأكيد بأنها لا تزال جميلة وتليق بها الحياة.

ربما هو حنين لا لزوم له لماض رحل عن طرابلس على أن هؤلاء يؤكدون بعاداتهم إلتزامهم بحداثة المدينة وفرادتها.

منذ العام 2005 بدأت الحياة تدب في شارع اللبّان بجانب مدرسة اليسوعية في الميناء على غرار منطقة الجميزة في بيروت. إذ بدأت الحانات الصغيرة تفتح أبوابها تباعاً لتصل في ظرف سنتين الى مستويات مشجعة للغاية. فقصدها رواد السهر ليس من أرياف الشمال في الكورة والبترون وزغرتا وعكار بقدر ما استقطبت أناساً كثيرين من الخارج أيضاً، ضجّ الشارع بالحانات وعلب الليل ولكن سرعان ما تراجعت الحركة وانحسرت بفضل عدّة عوامل، هناك من يتحدث عن مؤامرة ما على هذه التجربة ومحاربتها لأنها تعطي للمدينة بعضاً من أوكسيجين حياتي تحتاجه، والدليل على ذلك دخول نجيب ميقاتي على الخط حيث اشترى فندق  Via Mina المجاور للشارع وعمد إلى إغلاق ابوابه كمن يقضي على إمكانية الإستثمار في هذا المجال.

الشارع الآن لا يزال على رونقه التراثي الجميل، صحيح أن معظم الحانات فيه قد أقفلت ولكنه بدا يشهد مؤخراً إستعادة لمكانته كموقع طبيعي للسهر. عند مدخل الشارع لا يزال بعض الرواد ينظرون إلى مقهى Radish ويتذكرون الديكور المميز الذي نفذه الفنان ماريو سابا أو مشهد مستعاد للطاهي الذي كان يقص حبات البندورة وأوراق الحبق من بين الطاولات في حديقة منزلية قبل تحضيرها كأطيب أطباق إيطالية.

ال Radish تجربة نادرة ولكن جاره CAVA لا يزال محافظاً على تألقه لدرجة أن أصحابه قاموا بتوسيع المحل الذي كان لا يتسع لعشرة أشخاص فقط ليستوعب عدداً أكبر من الزبائن.

ال CAVA بدأ كمنتدى ثقافي إذ يتجمع فيه رواد الشعر ومحبيه يوم الأربعاء من مطلع كل شهر ليقرأوا مع كؤوسهم ويسهرون. اليوم بدأ بتطوير برامجه وأدخل الموسيقى لإهتماماته، اسبوع سهرة غربية واسبوع آخر سهرة شرقية وساهرون يرقصون حتى الصباح.

خلال الأسبوع لا تشهد حانات الميناء حركة ملفتة بل تقتصر على أناس قلائل، والطريف أنهم يعرفون بعضهم ويتوزعون بين الحانات أي يلتقون في مكان واحد.

في Mikes الذي كان دكاناً حوّله صاحبه من ركن بسيط إلى حانة كانت مليئة بالساهرين والموسيقى، يبدو اليوم مكاناً فارغاً. في زاوية المقهى يجلس أحدهم وغالباً ما يفرض ذوقه الموسيقي another day in paradise ل Phil Collins  أغنيته المحببة يعيدها بالسهرة الواحدة نحو عشرة مرات طالما أن المحل لا يوجد فيه غيره فيرتشف الكؤوس فيما وهيب، عامل البار، يجالسه معظم السهرة.

هناك يجلس غابي سرور، بلهجته الطرابلسية المحببة وضحكته المجلجلة بين الحين والآخر يصف السهر في طرابلس: "عادة جميلة ومفيدة للصحة ليشعر الإنسان بأنه لا يزال على قيد الحياة، يفرح ويسمع الموسيقى ويغني طالما أنه لا يوجد في هذه المدينة ما يدعو للسرور في ظل الواقع المرير الذي تعيشه".

يرتشف كأس ويسكي كامل ويطلب آخر ليضيف: "كانت مدينة نابضة بالحياة وأصبحت زواريب ضاعت فيها أحلامنا. هذه الحانات تفتح قابليتي في اللاوعي عندي وتمنحني شعوراً لذيذاً يدفعني للكتابة على وقع الكؤوس والموسيقى وعندما أشعر بالملل أذهب إلى مكان آخر ارقص فيه أو أبحث عن أصحابي حول طاولة عشاء مع كؤوس العرق والمازات البسيطة".

يتابع غابي، بعد أن يطلب من النادل المزيد من المكسرات لزوم الكلام الأنيق (يضحك حتى الغشاوة) للصحافة: "حتى ايام المعارك كنت أتابع الأحداث من هنا، على الرغم من وجود منزلي في منطقة الزاهرية، ولكن عندي إصرار على الحياة كما اشتهي ولا أريد أن أغير عاداتي. هنا الكؤوس والموسيقى والناس يمنحوني شعوراً بالإصرار على الحياة والشغف".

أبرز التحديات التي تواجه هذا النمط من الحياة في طرابلس، وفق غابي، هي الذهنية المسيطرة في طرابلس الآن: "يفترضون أن كل شيء تنبغي ممارسته بالسر والدليل بأن عادة شرب الكحول منتشرة في طرابلس ولكن ليس بالعلن وهناك كثيرون لا يشربون بالأماكن العامة حتى أنهم لا يرتادون الحانات والمقاهي في الميناء بل يذهبون صوب الصخب في بيروت وكأن هناك يحلو السهر أكثر".

مثل كل شيء في طرابلس فإن شارع الحانات يطفىء أنواره سريعاً قرابة منتصف الليل أو أبعد بقليل ليبقى الساهرون يتداولون القصص والحكايات والذكريات وكأن هذه المدينة مسكونة بالخيال وبعيدة عن الواقع حتى بحياتها الليلية.

Switch mode views: