بث تجريبي
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

قرى عكار المسيحية

مصباح العلي 

عند النهر الكبير الجنوبي، أو الحدود الشمالية مع سوريا، ثمة لسان من القرى المسيحية (الدبابية – منجز – رمّاح – العوينات – شدرا – التليل - دير جنين – الهدّ - شربيلا – السفينة – عندقت وصولا لعاصمة المسيحيين في عكار .. القبيات).

يعود الحضور المسيحي في هذا الشريط من القرى لسنوات غابرة، تشهد عليه الكنائس القديمة جداً حيث لم يتعرض أهلها للإضطهاد في ما مضى منذ السلطنة العثمانية، كم أنهم لم يحظوا بامتيازات عند الإنتداب الفرنسي وبقيت أحوالهم، كسائر أحوال أبناء عكار، من حيث الإهمال الشديد في زمن الإستقلال عام 1943، وبالتالي عاش هؤلاء كما الآخرين من الشيعة والعلويين، في قرى متناثرة في عكار دون حوادث تذكر. وهؤلاء، كما سنة الشمال، دفعوا ثمناً من حضورهم وعمقهم وارتباطهم بسوريا للإلتحاق بلبنان ولم تكن لديهم أزمة هوية على الإطلاق. فعند إعلان دولة لبنان الكبير في آب من العام 1920، نزولا عند رغبة البطريرك إلياس الحويك الذي يعتبر صانع فكرة لبنان الأول، والتي ضمت أجزاء واسعة من سوريا ثم سلخ وادي النصارى عن عكار لاعتبارات مذهبية مفادها بأن إنضمام هذا الجيب المسيحي من الروم الأرثوذوكس سيفقد الموارنة الأكثرية المسيحية في لبنان لصالح المسيحيين المشرقيين الذين اتصفت مواقفهم بالإلتصاق بالشرق العربي كونهم من المؤسسين له، ولم يكونوا يستسيغون التدخلات الأجنبية، بل حملوا السلاح مع المسلمين بوجه الحملات الصليبية لأنها كانت عبارة عن غزوات واحتلال بنظرهم ولم تكن تهدف إلا لتشريدهم كمسيحيين.

ولعل وجود مبنى مطرانية عكار وتوابعها (نسبة لمناطق سوريا) في بلدة الشيخ طابا في عكار، له رمزية معينة طالما أن الروم الأرثوذوكس وحدهم يحظون بمطرانية تتبع لها مناطق من لبنان وسوريا حالياً، عكس المذاهب المسيحية الأخرى، وهي مطرانية لها وزنها وثقلها وحضورها نظراً لكون الإنتشار المسيحي في عكار غير مرتبط ببقع جغرافية معينة أو قرية بحد ذاتها. فكما سهل عكار حيث لسان القرى المسيحية أو ما تعرف بقرى الدريب هناك مناطق الجومة مثل (الشيخ طابا – جبرايل – بيت ملات – رحبة – بينو – بزبينا – الشقدوف وغيرها ) إمتداداً صوب الجرود.

كعادتها كل صباح تجلس أم إيلي مع ركوة قهوة كبيرة على مصطبتها في قرية الدبابية المتاخمة للحدود الشمالية مع سوريا، تنادي الجيران والمارة لمشاركتها صبحيتها كعادة أهل الريف، وفق تعبير "حوّل اشرب قهوة"، يلتحق بها نجلها الوحيد ايلي قبل إنطلاقه الى عمله، الأحاديث المتقطعة بين الأم وإبنها توحي بحزن دفين فهو لا يجيب على أسئلتها المتكررة عن أحوال تجارته في محله بوسط بلدة حلبا بقدر ما يردد عبارة "في شي أهم من الشغل... مصيرنا مجهول".

ايلي م. واحد من سكان قرية الدبابية المارونية بالكامل عند النهر الكبير الجنوبي التي لا تبعد عن حدود سوريا سوى 50 مترا تقريبا. القرى السورية المتاخمة لا توحي بأنها في بلد آخر طالما أن القناعة الراسخة هنا بأن هذه الحدود مصطنعة أو مهمتها رسمية فقط، نظراً للروابط الأسرية والإجتماعية، خصوصاً وأن عكار متاخمة لصافيتا وقرى أخرى وصولا لوادي النصارى في الشمال السوري وهي تشكّل في ما بينها عمقاً مسيحياً بارزاً.

الشاب الأربعيني الذي لم يتزوج مخالفاً عادة شباب عكار بالزواج المبكر، يبدو على ملامحه القلق الشديد في ضوء خطر داعش الذي أصبح يدق الأبواب قائلاً: "منذ شهرين قمت بتصليحات في منزلي تجاوزت كلفتها ال40 ألف دولار ولا أعلم إن كنت سأستمر هنا أم أن مصيري سيكون مثل مصير مسيحيي الموصل وأزيديي سينجار في العراق طالما أن داعش قررت الزحف والقضاء على المسيحيين". يتابع حديثه بعد ان ينطلق بسيارته متجهاً إلى حلبا عاصمة القضاء: "لا خيار أمامنا سوى البقاء والموت فوق أرضنا. في الحرب الماضية لم نتعرّض للتهجير على أساس طائفي ومذهبي، رغم الفتنة التي ضربت لبنان، ربما لكوننا جزءاً أساسياً من النسيج الإجتماعي في عكار طالما أن نسبة المسيحيين في عكار تصل لحدود ال50 بالمئة والدبابية إستثناء لكونها قرية مارونية صافية".

شعور ايلي م. بالخوف والقلق مستجد في عكار ذلك أن القاطنين في هذا القضاء تعودوا شظف العيش والشقاء ولكنهم لم يخبروا التهجير وعادات الحروب السوداء.

ولعل من اللافت الطرفة التاريخية التي يتداولها أبناء عكار عن البطريرك الماروني مار أنطون بطرس عريضة، صانع الإستقلال اللبناني المنجز بحدوده الحالية، عندما وقف عند مصب النهر الكبير الجنوبي سائلاً عن توزيع القرى حيث أشار أحد مساعديه إلى قرى متاخمة للنهر "جميعها قرى مسيحية، لكن روم" فعلّق البطريرك: "لتكن حيث أقف الحدود بين لبنان وسوريا ولتكن مشيئتك يا رب". فيتندر سكان المنطقة على التعصب الديني والمذهبي على طريقتهم طالما ان الحديث الطائفي في عكار غير مستحب ولكن تلفت في هذه الفترة بأن الأحاديث المتناقلة عن خطر هجوم داعش من جهة الشمال وتحديداً قلعة الحصن وتلكلخ لا تحمل أبعاداً طائفية، طالما أن التهديد المباشر يطال العلويين في سهل عكار كما المسيحيين في كل قرى القضاء. وفي هذا الشأن يتم التداول همساً عن موجة تسلح  كثيفة لا تشمل المسيحيين فقط، بل تطال الجميع، حيث قال أحدهم دون ذكر إسمه: "خدمت بالجيش اللبناني 30 عاماً ولم أشعر يوماً بتفرقة في قريتي كوني مسيحي ولكني اليوم اقتنيت سلاحاً ليس لأدافع به عن نفسي وعائلتي بقدر أن أقاتل بشرف دفاعاً عن صيغة لبنان بالتنوع وما تسمعه عادة من خطابات عن ضرورة العيش المشترك لا تعنينا في عكار طالما انها عادات متوارثة".

ومؤخراً زادت عمليات التسلح، ليس بين صفوف العلويين والمسيحيين فحسب، بل طالت أطيافاً أخرى تشعر بالتهديد الفعلي بسبب إحساسها أن الدولة اللبنانية وأجهزتها غير قادرة على حمايتهم من هجوم داعش والمجموعات المتطرفة، حيث قالها طوني فرح، وهو أحد سكان قرية جبرايل، صراحة: "منذ بداية الثورة السورية لم نكن نعي تماما خطورة ما يجري في سوريا وتعودنا على مر الشهور بأن ثمة حرب أهلية دائرة هناك، وتحمّلنا النزوح السوري بكل ما فيه كوننا خبرنا مآسي الحرب الأهلية، ولكن أن تستبيح قرانا مجموعات همجية وتقطع رؤوسنا، كما هو حاصل الآن في سوريا والعراق فهذا شيء لا نسمح به ابداً. نحمل أسلحتنا ونموت بشرف فوق أرضنا ولا نغادر أبداً".

"ما يصيبهم يصيبنا" هي عبارة يرددها الآخرون بل أن أحدهم رد بدعابة: "ومن قال بأن المسيحيين سيطالهم الظلم وحدهم، فبنظر هؤلاء جميعنا كفّار في حال لم نتفق معهم". تابع قائلاً: "إن كانت هذه المجموعات من المغول الجديد الذي يضرب المنطقة فإنني أريد إعادة الحساب بإيماني المسلم وبالتالي فإن الخطر هو علينا جميعاً".

وليس من باب المزاح ما يتم تداوله عن خطر داعش طالما أن المعطيات المتوافرة تشير إلى حركة نزوح كثيفة خارج القضاء وهي لا تطال المسيحيين فحسب بقدر عائلات تشعر بأن الخطر الأصولي يدق الباب بجدية كبيرة وزاد من ذلك الشعور حادثة قطع رأس الجندي علي السيد الذي لم يشفع به أنه مسلم من بلدة فنيدق التي كانت بيئة حاضنة للمعارضة السورية.

 

 

Switch mode views: