بث تجريبي
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

حوار مع الاب كارمللو

"ابني، لم أفعل شيئاً في حياتي سوى أنني حاولت إرضاء ربي وخدمة رسالتي المسيحية كي أساعد الناس".

تختصر هذه الجملة التي قالها الأب كارمللو، شغف الرجل الثمانيني بمحبة طلابه الذين ناهز عددهم ال 10.000 طالب على الأقل.

هو الراهب المسيحي الذي ترك عمله في طرابلس بصمة بقيت في ذاكرة ووجدان المدينة، بحكم العلاقة التي أرساها مع طلابه وأهلها، فكان مروره في الشارع يُحدث مظاهرة عفوية، لعله جهده عبر عشرات السنوات حيث يُعتبر ومضة مرت بتاريخ طرابلس وكانت بارقة أمل في ظروف حالكة. وهو الذي جعل رسالته الاولى منذ 1975 حتى 1993 ، إبعاد الشباب عن الالتحاق بالحرب الاهلية وفق أساليب مبتكرة، حيث أسس نادي رياضي وبنى مسرح وخصص حصص من الدروس لمشاهدة السينما، كما عمد الى فتح ابواب المدرسة خارج الدوام الدراسي أمام الطلاب، فاصبحت مدرسة الآباء الكرمليين (الطليان) المدرسة والمنزل والنادي وأضحى كرمللو الأب والمدرّس والصديق لدى معظمهم.

سنوات العمل الطويلة أرهقت الجسد في كارمللو ولكنها لم تقهر الروح داخله. لم يتخل عن ابتسامته كما عن شغفه بالحياة لدرجة تجعل تلامذته الآن، وهم رجال في شتى المواقع والمناصب، يعودون لطفولتهم فور رؤيته ولا يتوانون عن عناقه وتقبيله فيما هو يبادلهم المحبة بدموع الشوق أحياناً.

لا يتردد، رغم سنه المتقدمة، من أن يطرق الأبواب والدخول إلى المنازل للإطمئنان عن الجميع ومتابعة شؤونهم مردداً دائماً "أنتم أبنائي وعلي متابعة حياتكم حتى بعد التخرج".

تعاليم المسيح بالنسبة إليه هي ممارسة يومية لا تنفصل عن الإيمان والواجبات الدينية، ويقول: "لم أكره ولم أحقد يوماً وحين أغضب من أمر ما أعمد إلى الصلاة كي يعود السلام إلى نفسي، أما فرحي العظيم فهو عندما ألتقي أبنائي ولو بعد سنوات طويلة".

بخطى متثاقلة يقترب، وبحرارة يمد يده للسلام، أما العناق والقبل والدموع فعادة هي من حصة طلابه. لا ينسى منهم أحداً، وإن خانته الذاكرة فبعفوية شديدة يسترجعها، ويرفض أن يقبل أحد يده مهما كان. كثيرون منهم يتذكرون فيه طفولتهم ويسترجعون صوراً عن راهب يرتمي لمساعدة طفل وقع ارضاً يكفكف دموعه، أو أن يختلس النظر أمام دكان المدرسة لطفل قد يكون لا يحمل نقوداً في الفرصة فيساعده ويطلب إليه أن يكتم السر.

عطاءه ليس له حدود، من المساعدة في حسم القسط المدرسي لمن لا يستطيع التسديد، وإن منعته القوانين فلا يتردد عن طرق أبواب من اغتنى من تلامذته الذين بدورهم لا يترددون أبدا لأنهم لا يعرفون ولكن يدركون ممارسته والأهم أنه يرفض أن يتكلم عن أفعاله، "إنه سر الإيمان" كما يقول ويردد.

قلائل من يعرفون أن إسمه الأصلي هو "حنا جميل فنيانوس" أو أين تقع قريته أو منطقته التي لا يدل عليها سوى لهجته الريفية المحببة الى جانب استخدامه المفرط للغة الفرنسية ويبادر تلامذته "عيب عليكم تنسوا اللغة والله تعبت عليكم كثيرا".

من مواليد زغرتا 1934 ، ومن أوائل الطلاب الذين درسوا في مدرسة مار إلياس للآباء الكرمليين  وتخرج منها عام 1955 . قال مازحاً: "مثلما لم ارتد مدرسة أخرى اسعى أن يدخل الطفل عندي ولا يخرج إلا في سن الشباب ويُقبل على الدراسة الجامعية وأتابعه حتى العمل والزواج والأولاد وأنا فخور بانتسابي لآلاف العائلات من مختلف الطوائف كفرد أساسي فيها".

شهرة الأب كارمللو أتت من زمن الحرب عندما استلم ادارة المدرسة بين عامي 1975 و 1993 في أحلك الظروف، فلا إطلاق النار في وجهه ولا الخطف منعاه من متابعة عمله (وهو يرفض هذه الكلمة ويستبدلها بكلمة عطاء) عمد إلى إرسال الكثير من طلابه إلى الخارج عند التخرّج وتحديدا الى ايطاليا وفرنسا وبلجيكا وروسيا وأميركا التي وصلها نحو 300 طالب، معظمهم بقوا هناك واستلموا أرفع المناصب. وهو يواظب على زيارتهم سنويا بالإضافة الى متابعة أحوال طلابه في لبنان.

يختزن في ذاكرته الكثير من الحوادث من زمن الحرب ولكنه يسعى إلى عدم الحديث عنها قائلاً: "فترة صعبة ومرت، لكنها كانت من أجمل أيام حياتي، عشت في طرابلس وخبرت طيبة أهلها وإلى اليوم أردد أسفي على مدينة جميلة تغيرت وتبدلت كثيراً".

سكن المدرسة في تلك المرحلة فكنت تجده إما في الإدارة أو في الصفوف، وبعد الظهر يتابع الأنشطة الرياضية والفنية والثقافية. ولعل من عاداته المعروفة حينها تجواله على الصفوف ليلاً ليطمئن بأنها جاهزة لاستقبال الطلاب صباحاً.

من القصص المتداولة تعرضه للخطف في العام 1976 حيث اعترض المسلحون سيارته واصطحبوه الى مكان مظلم لأسباب طائفية، هناك قيدوا يديه واغمضوا عينيه فسمع صوت جلبة وشخص يصرخ: "إنه يربي أولادي ألا تخجلون من أنفسكم". فتبين أن والد تلامذة لديه اقتحم المكان وأنقذه وأعاد إليه سيارته. بعدها بسنوات، خلال سيطرة تنظيم حركة التوحيد الإسلامي على طرابلس وإعلانها إمارة إسلامية 1983-1985، شاء الأمير سعيد شعبان أن يستضيفه لإجراء نقاش معه، وعندما طال زمن الجلسه فوجىء الأب كارمللو بالأهالي يقتحمون ملعب المدرسة غاضبين مرددين بأنهم قرروا عدم العودة إلى منازلهم قبل الإطمئنان عليه.

وفي حادثة ثالثة ومؤثرة، فوجىء بأحد تلامذته شاهراً مسدساً حيث عمد لإطلاق النار عليه، للوهلة الأولى لم يستوعب الأب كارمللو ما يجري، ولكنه كان يسمع تلميذه يهدد ويتوعد ويصرخ بوجهه، فما كان منه إلا أن اقترب وقال له: "افعل ما تشاء وأطلق النار علي ولكن انظر في عيوني فقط" عندها إنهار التلميذ باكياً ففوجىء من كان حاضراً بان كارمللو حاول إرضاء من أطلق عليه النار، لا بل أسكت والديه عندما حضرا للإعتذار منه قائلاً: "إبني أخطأ وأنا أتحمل المسؤولية، لقد قصّرت معه ولكني أعدكم بأن أحواله ستتحسن كثيراً". اليوم يتحفظ الأب كارمللو عن ذكر إسم التلميذ ويقول بأنه من أحب التلامذة إلى قلبه وهو يلتقي به اسبوعياً وماحصل كان طيش شباب وانتهى.

حالياً يعيش الأب كارمللو في منفاه الإختياري في دير الكرملية الواقع بين زغرتا والضنية وطرابلس، وكأن الجغرافيا تعنيه، يقضي ما تبقى له من عمر ويردّد دائماً بانه لم يتعب بعد، ولديه الكثير من العمل ينبغي إنجازه طالما أن عطاء الإنسان يتجاوز عمره بكثير.

 

 

Switch mode views: