بث تجريبي
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

فيلم مملكة إبراهيم...

مصباح العلي

ربما يدرك سكان باب التبانة في طرابلس بأنهم يعيشون في أفقر بقعة على حوض البحر الأبيض المتوسط (نحو 100 ألف مواطن في مساحة لا تتعدى 2 كيلومتر فقط)  ولكنهم لا يعلمون بأن كدحهم اليومي ومعاناتهم كما مجتمعهم السفلي، قد ألهمت مجموعة من المغامرين لاكتشافهم سينمائياً.

توثيق دقيق لحياة صعبة ورصد لمشكلات العيش في التبانة، من خلال حياة مواطن هو نموذج من آلاف الحالات التي تتنقل بين الإنحراف والإدمان على المخدرات وبين التعصب الديني. تصول الكاميرا وتجول لتكتشف حياة إبراهيم فرّان الشاب الذي هو عنوان الفيلم “Ibrahim realms” لمدة 60 دقيقة مشوقة. الذي تنتجه شركة “Crystal Films” و Screen Institute in Beirut  بدعم من المنظمة الفرنكوفونية ضمن برنامج دعم أفلام سينما الجنوب (لبنان – المغرب – تونس – مصر).

المنتجة ديما الجندي تبدو متحمسة للتجربة سينمائيا إنطلاقاً من فكرة أساسية بأن الإنسان هو القيمة الأهم في هذا العالم وهؤلاء الفقراء في باب التبانة دفعهم القدر العاثر نحو البقاء والعيش هناك. وقالت: "هناك نماذج كثيرة مثل إبراهيم فران في المناطق الفقيرة في لبنان ولكننا استطعنا رصد حالته لأنه انتقل من حياة الإنحراف وتناول المخدرات وكل عادات المجتمع السفلي الى حالات التعصب الديني الأعمى، هذا الانتقال هو ما نعالجه كونه حالة إنسانية نادرة مفادها بأن لهذا الشاب التائه قصة حب رومنسية أنتجت زواجا من محاسن  الشابة التي أحبت إبراهيم رغم كل ظروفه، كما علاقته الملتبسة مع أفراد أسرته ومجتمعه".

تجيب ديما على سؤال يتعلق بمزاجيته الناتجة عن أزماته النفسية، والتي كادت تهدد مصير الفيلم خصوصاً وأنه اختفى في مرحلة من مراحل التصوير: "عادة أنا لست إنسانة متشائمة وهذه الحادثة بكل ما فيها من إحراج إلا أننها لولاها لما استطعنا تصوير أهم لقطة بالفيلم وهي ردة فعل الوالدة عندما روت لنا بأن نصف حياتها قضتها في السجون. إبنها ابراهيم إعتاد شم مادة التنر Thinner وهو بعمر ال 12 ، عندما نزل للشارع في باب التبانة، عاما قبل أن ينتقل إلى مقارعة الخمور وحبوب ال Benzhexol  مع شقيقه الآخر محمود. إرتدت الحجاب تجنبا للتحرش أثناء زيارتها ولديها في السجن. هذه اللقطة بنظري هي الأساس خصوصا وأنها صرخت في لحظة غضب "أحياناً أرغب بتناول هذا المخدر لأكتشف سرّه ولماذا يخرب الشباب حياتهم لأجله".

وتختم حديثها: "لم أرغب دخول مغامرة إنتاج فيلم في باب التبانة لتسويق صورة نمطية عن الإنحراف المستشري في هذه المنطقة ولا حتى لأثير الشفقة أبدا بل إنني أدفع المشاهد عبر هذا الفيلم لكي يتآلف مع هذه الشخصية. أحاول دفعه نحو عدم لعن الشخص لأنه ببساطة ضحية. إننا نحاول من تجربتنا هذه تسليط الضوء على معاناة إنسانية فظيعة بكل المقاييس ولعل الأهم بنظري هو تأثر أحد أعضاء لجنة التحكيم في المنظمة الفرنكوفونية بالعمل ما دفعه للتعليق: "فكرة الفيلم ستصل إلى أكبر عدد من الناس حول العالم لأنه ببساطة لا يوجد من يتكلم عن مشكلة الإنحراف أو التعصب الديني بشكل حميمي على هذا النحو".

اثناء تنفيذ الفيلم وفي إعداد مراحله هناك الكثير من المواقف المتناقضة بين الطرافة والقسوة والدراما. المخرجة الشابة ريمي عيتاني بدت حريصة جدا على رصد إنفعالات الأشخاص وتوثيقها كما حاولت أن تآلف الناس مع كاميرتها وهي مهمة صعبة وشاقة للغاية على أنها تجاوزتها بعدما بنت صداقة متينة مع أفراد عائلة إبراهيم وزوجته. عيتاني قالت بأنها التقت إبراهيم واصحابه بالصدفة عندما رافقت شقيقتها العاملة ضمن إحدى الجمعيات الخيرية لتوزيع مساعدات على هذه المنطقة الفقيرة للغاية. سبق ذلك تهديدها من قبل أحد العاملين في منزلها عندما كانت صغيرة، عن طريق المزاح "يجب أن تطيعي الأوامر أو آخذك إلى باب التبانة حيث شم التنر". هذه المخرجة الإستثنائية بعملها تلاحق كادرات كاميرتها وتلاحق الصوت وتتابع فريق عملها بدقة ولكنها تلغي الهوامش المفترضة: "يجب أن يسير العمل بإنسيابية معينة، أحاول رصد ردود فعل هذه الشخصيات دون تكلّف، أنا لا أجري حديثاً صحفياً كي يعبر هؤلاء عن ذواتهم ويشرحون حياتهم ومآسيهم ومعاناتهم مهمتي أن أدعهم يتحدثون عن مشاعرهم بحرية وهذا هو الأساس".

أخرجت رمي فيلمين وثائقيين بالسابق هما: Foreignes at home عام 2011 و Invisible citizens عام 2012. إلا أن فيلمها الجديد عن باب التبانة له وقع خاص لديها وهي سجلت إنطباعا وهو توق هؤلاء الناس للفرح "تجدهم يرقصون بسهولة وحس الفكاهة عندهم يطغى على تفاصيل حياتهم الصعبة. ومن بديهيات العمل الوثائقي أن تحب الأشخاص الذين ترغب باكتشافهم وهذا ما حصل معي، عائلة إبراهيم أضحت تنسى وجود الكاميرا لأنها تآلفت معها بشكل كلي وهذا جزء مهم قد يؤمن للفيلم نجاحاً منقطع النظير".

عن الإنطباع الذي كونته عن باب التبانة تقول ريمي: "الإعلام يمعن في رسم صورة قاتمة كونها منطقة فقيرة ومعدمة مثل كل المناطق الأخرى ولكن هناك الكثير من العادات الجميلة وأبرزها الكرامة، أحببت الأشخاص الذين تعاملت معهم نتيجة إعتزازهم بكرامتهم والأمر ناتج ربما عن معاناتهم، إذ هل يُعقل أن يعمل شخص بنحو 10$ فقط يوميا من الساعة السادسة صباحا حتى الثامنة مساء ولا ينجو من الإنحراف الأخلاقي وحتى الديني للخروج من هذه الدوامة؟"

ختمت عيتاني: "في التبانة ملامح الحزن تبدو مغرية للكاميرا لمراقبة كل التفاصيل: الوجوه والتعليقات كما الأحاديث العابرة، تجول على الأزقة والأبنية الفقيرة لتسجل تفاصيل كثيرة تدفعك نحو طرح تساؤلات عن مصير الإنسانية الكبيرة، الأمر ليس متعلقا بالفقر فقط إنما تداول الفقر والإنحراف من جيل الى جيل دون معالجة حقيقية".

باسم فياض أكثر من مصور ينفذ لقطات ترغب "ريمي" باختطافها سريعاًُ، ذلك أنه لا مجال لتكرار المشاهد على غرار الأفلام الروائية التقليدية، ليس هناك من ممثلين هناك أشخاص عاديين. باسم المصور هو الأقدر على فهم افكار ريمي دون أن تنطق، نظراته الحادة تشي بموهبة نادرة وهذا ما برز فعليا عند مراجعة ساعات تصويره الطويلة، إنسياب لقطاته يؤكد موهبة نادرة بكل المقاييس وحسّه الطريف جعله قادرا على إلتقاط مشاهده في باب التبانة بسهولة ملفتة "منذ تخرجي أعمد إلى إخراج فيلم كل خمس سنوات وذلك عندما أجد موضوع يغريني ولكني أعتبر مهمتي إستثنائية في باب التبانة، خصوصا في فيلم "مملكة إبراهيم"، الأمر يتعدى الفقر نحو الكلام عن الهوامش الشاسعة في لبنان.

لا أحبذ أن أشرح كثيرا عن الفيلم ولكني أعتقد بأنه سيحقق نجاحا ملفتا إنطلاقا من الجهود الكبيرة التي نقوم بها لتوثيق حياة هؤلاء، ولعل الأهم هو أنني أتعامل مع الشخصيات الواردة بالفيلم نجوما يجب إبراز مواهبهم الإنسانية وليس قدراتهم، وهذا ما يثيرني مهنيا".

عن التبانة واهلها "لا أريد التحدث كثيرا عن مشاعري التي تولدت عن هذه المنطقة والتي لا أستغربها، هي ليست مناطق فقيرة فقط بل تحوي عوامل رومنسية كثيرة. الأمر الآخر أجد نفسي مجبرا على مساعدة هؤلاء لتخطي حالة البؤس المتوارثة بعدما عايشتهم لفترة وأشعر بالإلتزام الأخلاقي تجاههم، بالمقابل اريد ان اشير الى انني اكتشفت عالما متناقضا للغاية بين التعصب الاعمى وحالات التسامح الديني، بين المظاهر الخارجية الخادعة احيانا وبين الاشكال الحقيقية، في التبانة لاحظت اناسا يطلقون لحاهم تعبيرا عن التزامهم الديني ولكنهم يتناولون المشروبات الكحولية وكأن إلتزامهم الديني غطاء، ليس من الضرورة التعميم ولكن هذه حالات موجودة. كما لاحظت أن أخت إبراهيم التي تحرص على الموضة في لباسها وتصبغ شعرها باللون الأحمر في وقت هي تعيش في منطقة يغلب الحجاب على معظم نساءها".

يختم باسم حديثه: "في التبانة عوالم من التناقضات في قالب واحد يصعب إكتشافها ونحن نرجو من خلال عملنا أن نشير لوجودها طالما أن المعالجات الناجعة  لهذا البؤس لا تبدو متوافرة بالمدى المنظور".

Switch mode views: